الجصاص
35
أحكام القرآن
واحدة ، إذ ليس فيه ما يوجب تكرارا ، فمتى فعل الحج فقد قضى عهدة الآية . وقد أكد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا : حدثنا يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي سنان : قال أبو داود - هو الدؤلي - عن ابن عباس : إن الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة ؟ فقال : " بل مرة واحدة فمن زاد فتطوع " . قوله تعالى : ( ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) . روى وكيع عن فطر بن خليفة عن نفيع أبي داود قال : سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية : ( ومن كفر ) قال : " هو إن حج لا يرجو ثوابه وإن حبس لا يخاف عقابه " . وروى مجاهد من قوله مثله . وقال الحسن : " من كفر بالحج " . وقد دلت هذه الآية على بطلان مذهب أهل الجبر ، لأن الله تعالى جعل من وجد زادا وراحلة مستطيعا للحج قبل فعله ، ومن مذهب هؤلاء أن من لم يفعل الحج لم يكن مستطيعا له قط ، فواجب على مذهبهم أن يكون معذورا غير ملزم إذا لم يحج ، إذ كان الله تعالى إنما ألزم الحج من استطاع وهو لم يكن مستطيعا قط إذ لم يحج ، ففي نص التنزيل واتفاق الأمة على لزوم فرض الحج لمن كان وصفه ما ذكرنا من صحة البدن ووجود الزاد والراحلة ما يوجب بطلان قولهم . قوله تعالى : ( قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء ) . قال زيد بن أسلم : " نزلت في قوم من اليهود كانوا يغرون بين الأوس والخزرج بذكرهم الحروب التي كانت بينهم حتى ينسلخوا من الدين بالعصبية وحميته الجاهلية " . وعن الحسن : " أنها نزلت في اليهود والنصارى جميعا في كتمانهم صفته في كتبهم " . فإن قيل : قد سمى الله الكفار شهداء وليسوا حجة على غيرهم ، فلا يصح لكم الإحتجاج بقوله : ( لتكونوا شهداء على الناس ) [ البقرة : 143 ] في صحة إجماع الأمة وثبوت حجته . قيل له : إنه جل وعلا لم يقل في أهل الكتاب وأنتم شهداء على غيركم ، وقال هناك : ( لتكونوا شهداء على الناس ) [ البقرة : 143 ] كما قال : ( ويكون الرسول عليكم شهيدا ) [ البقرة : 143 ] فأوجب ذلك تصديقهم وصحة إجماعهم ، وقال في هذه الآية : ( وأنتم شهداء ) ومعناه غير معنى قوله : ( شهداء على الناس ) [ البقرة : 143 ] وقد قيل في معناه وجهان ، أحدهما : ( وأنتم شهداء ) إنكم عالمون ببطلان قولكم في صدكم عن دين الله تعالى ، وذلك في أهل الكتاب منهم . والثاني : أن يريد بقوله : ( شهداء ) عقلاء ، كما قال الله تعالى : ( أو ألقى السمع وهو شهيد ) [ ق : 37 ] يعني : وهو عاقل ،